هل أصبح البنك “شريكا” في الإنفاق الأسري في ظل حكومة الكفاءات؟

كشفت أحدث بيانات بنك المغرب عن صورة اقتصادية تكاد تكون استثنائية، تعكس تحولاً جذرياً في علاقة المواطن بالمؤسسة البنكية. ففي ظل موجة غلاء لم تشهدها البلاد منذ سنوات، تتسلل البنوك من أبواب الخزائن الحديدية إلى مطابخ المنازل، ليتحول دورها من ممول للمشاريع إلى شريك في فاتورة السوبرماركت. الأرقام الصادرة عن شهر نوفمبر 2023 لا تترك مجالاً للتأويل؛ فبينما ارتفعت قروض الأسر إلى 3.4%، وقفزت قروض الاستهلاك إلى 4.7%، تُرسم خريطة جديدة للفقر والغنى: فقر في السيولة النقدية، و«غنى» إجباري في الديون. هذه التحولات تضع علامات استفهام كبيرة حول أداء «حكومة الكفاءات» في مواجهة تداعيات الأزمة المعيشية.
التحول الصامت: البنك من ممول المشاريع إلى شريك الإنفاق اليومي للأسر
لم يعد الحديث اليوم يقتصر على قروض لشراء سيارة أو سكن؛ فالواقع الجديد يقول إن البنك أصبح بطاقة إنقاذ شهرية. وبينما تتراجع القروض العقارية من 3.2% إلى 3%، وكأن الحلم بالسكن ينزلق إلى الهاوية، تتصاعد قروض الاستهلاك كصرخة صامتة. الأسر لم تعد تطلب تمويلاً للرفاه، بل تمويلاً للبقاء. وتكمن المفارقة المؤلمة في أن الأسرة، في عصر «الحكومة التقنية»، تجد نفسها تتجه للصراف الآلي عوضاً عن صناديق الدعم الاجتماعي. هل فشلت سياسات الدعم في اللحاق بقطار الأسعار، أم أن البنك أصبح بديلاً عن الدولة في سياسات الإعانة؟
الاقتصاد المقاولاتي تحت ضغط الارتفاع المزدوج للتكاليف والديون
الغلاء لا يضرب بيوتنا فحسب، بل يخنق مصانعنا أيضاً. فارتفاع قروض القطاع غير المالي إلى 4.2% ليس مؤشر نمو، بل صفارة إنذار. المقاولات اليوم تطلب قروضاً لا لتوسيع خطوط الإنتاج، بل لدفع فواتير الكهرباء والمواد الأولية. وحتى الشركات الخاصة، التي يفترض أنها عمود الاقتصاد، اضطرت لزيادة اقتراضها من 1.4% إلى 2.3%، كأنها تتنفس على جهاز أكسجين ائتماني. والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لاقتصاد أن ينمو ومقاولاته تلهث وراء السيولة لمجرد البقاء؟
فخ الديون: عندما تتحول «شراكة» البنك مع الأسر إلى عبء مستقبلي
وراء كل هذه الأرقام، يُخيم شبح الديون المتعثرة على المشهد المالي المغربي. هذه الديون تقفز من 3.7% إلى 5.8%، كبركان خامد يبدأ بالهدير، ووصول نسبتها إلى 8.7% من إجمالي القروض ليس رقماً عادياً، بل إنذاراً أحمراً. لقد أصبحت المعادلة واضحة: البنك يمول الأزمة اليومية، والأسرة تدفع فاتورتها غداً بالإفلاس. «الشراكة» الحالية أشبه بعقد مع الشيطان؛ تقدم راحة مؤقتة مقابل مستقبل مالي مجهول. ماذا سيحدث عندما تصل هذه الفقاعة إلى نقطة الانفجار؟
بيانات بنك المغرب ليست تقريراً روتينياً، إنها تشريح لجثة الاقتصاد العائلي المغربي. «بنكنة» المعيشة اليومية التي نعيشها ليست تطوراً طبيعياً، بل هي اعتراف ضمني بفشل السياسات الاقتصادية في حماية القدرة الشرائية. فبينما تتحدث الحكومة عن مؤشرات إيجابية، تتحدث الأسر عن بنوك إيجابية، وتُظهر الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع البنكي سخرية مريرة.
يبقى السؤال الأبرم معلقاً: إلى متى يمكن للبنوك أن تلعب دور «الدولة البديلة» في التمويل الاجتماعي؟ ومتى تتحول هذه الديون من أداة إنقاذ إلى أداة إفقار جماعي؟ الأرقام تجيب بصمت، والوقت يدق ناقوس الخطر.

تعليقات