المغرب يستفيد من المتغيرات الدولية.. و«البوليساريو» تخسر حليفها الاستراتيجي

يشهد النظام الدولي تحولاً مفاجئاً وعنيفاً؛ بعد إعلان الولايات المتحدة تنفيذ عملية عسكرية أدت إلى الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. لا يقتصر تأثير هذا الحدث على فنزويلا وأمريكا اللاتينية فحسب، بل يمتد ليهز أركان تحالفات إقليمية بعيدة؛ أبرزها التحالف الداعم لجبهة «البوليساريو».
بث البيت الأبيض، يوم السبت المنصرم، بياناً عبر منصات الرئيس دونالد ترامب؛ أوضح أن القوات الأمريكية نفذت «عملية ناجحة» أسفرت عن اعتقال مادورو وزوجته وترحيلهما خارج الأراضي الفنزويلية؛ منهيةً بذلك حقبة حكم استمرت ثلاثة عشر عاماً، واتسمت بتصادم مباشر مع السياسة الخارجية لواشنطن.
يشكل هذا التطور نهايةً لواحد من أعمدة الدعم الدولي الرئيسية لـ«البوليساريو». فطوال سنوات حكمه، كان مادورو حليفاً صوتياً صريحاً للجبهة، ولم يترك منبراً دولياً – خاصة في جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة – إلا واستغله لتأكيد دعمه «الكامل وغير المشروط» لمطالبها؛ مما منح موقفها غطاءً من دولة ذات ثقل في حركة عدم الانحياز.
لم يقتصر هذا الدعم على الخطاب السياسي؛ بل تحول إلى إطار مؤسسي. إذ جسدت فنزويلا اعترافها الرسمي بـ«البوليساريو» عبر منح سفيرها المعتمد في الجزائر صفة التمثيل المزدوج لدى الجبهة. كما أن زيارة وزير خارجية مادورو، إيفان جيل، إلى ناميبيا في مارس الماضي ولقاءه بإبراهيم غالي؛ مثلت إشارة دبلوماسية واضحة على متانة هذه العلاقة.
بسقوط هذا الحليف الاستراتيجي؛ تواجه «البوليساريو» فراغاً دبلوماسياً وسياسياً يصعب تعويضه بسرعة في أمريكا الجنوبية. بينما تخسر الجزائر – الراعي الإقليمي الرئيسي للجبهة – شريكاً مهماً في القارة؛ مما قد يضعف قدرتها على حشد التأييد الدولي لموقفها في المحافل متعددة الأطراف.
في المقابل؛ يبدو الموقف المغربي أكثر رسوخاً في هذا السياق المتغير. فقد انحازت الرباط، خلال الفترة بين 2017 و2021، إلى التحالف الدولي بقيادة واشنطن الذي دعم المعارضة الفنزويلية، واعترفت بخوان غوايدو رئيساً مؤقتاً، وسمحت بافتتاح مكتب تمثيلي له.
يضع هذا التحرك الاستباقي، الذي انسجم مع التوجه الغربي العام آنذاك، المغرب اليوم في موقع قريب من الإدارة الأمريكية الحالية والقوى المؤثرة في المشهد الفنزويلي الجديد؛ وهو ما قد يتحول إلى مكاسب دبلوماسية في الملف الإقليمي.
أما داخلياً؛ فيتشكل المشهد الفنزويلي الجديد حول شخصية ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة والحاصلة على جائزة نوبل للسلام لعام 2025. ومن المتوقع أن تركز حكومتها الانتقالية، المدعومة من واشنطن، على القضايا الداخلية الملحة وإعادة بناء العلاقات الدولية؛ مما قد يقلل أولوية دعم قضايا إقليمية بعيدة مثل قضية الصحراء.
يمثل سقوط نظام مادورو لحظةً لإعادة تقييم المواقف؛ فـ«البوليساريو» مدعوة الآن إلى مراجعة خريطة حلفائها في ظل بيئة دولية متقلبة، بينما قد تعزز الرباط مساعيها الدبلوماسية للاستفادة من هذا التحول؛ مستندة إلى سجل علاقاتها المتوازنة مع الفاعلين الرئيسيين في الأزمة.
من الواضح أن تداعيات اعتقال مادورو ستتجاوز الحدود الفنزويلية بكثير؛ فالزلزال السياسي في كاراكاس يرسل هزات ارتدادية تصل إلى الصحراء، مما قد يعيد رسم معادلات التحالف والدعم في أحد أطول النزاعات الإقليمية في إفريقيا؛ ضمن فصل جديد من فصول السياسة الدولية المتشابكة.

تعليقات