آخر الأخبار

بعد جفاف دام سنوات.. المغرب يخزن «6583 مليون م³» من الماء فهل تنتهي الأزمة؟

تشهد السدود المغربية حالياً موسماً من الانتعاش المائي اللافت، بعدما ارتفع منسوبها، اليوم السبت، ليؤمّن مخزوناً يُقدّر بـ6583 مليون متر مكعب، بنسبة ملء بلغت 39.2 في المائة. غير أن هذا التطور يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرته على إحداث تحول حقيقي في مسار الأزمة المائية، في ظل تحذيرات متواصلة من أن سنوات الجفاف الطويلة لا يمكن محو آثارها بكميات ظرفية، وأن الإشكال البنيوي ما يزال قائماً.

ويأتي هذا التحسن في سياق الارتفاع السريع للواردات المائية خلال الفترة الأخيرة، إذ أسهم في رفع حجم المخزون بنسبة 37.3 في المائة مقارنة بالموسم الماضي، أي بزيادة تُقدّر بنحو 1790 مليون متر مكعب. ورغم أهمية هذا المعطى، يشدد مختصون على أن هذه الزيادة لم تكن نتيجة تساقطات منتظمة ومتوازنة، بل تركزت في فترة زمنية قصيرة وبكثافة عالية، ما يعكس اختلالاً متزايداً في النمط المطري الذي يقوم عليه النظام المائي الوطني.

ويرى خبراء أن تمركز الواردات المائية في زمن محدود يفرض تحديات تقنية معقدة على منظومة السدود والمنشآت المائية، تتصل بقدرتها على الاستيعاب والتخزين الآمن، وبالحاجة إلى تفادي التفريغ الاضطراري أو خسائر التبخر التي تُهدر جزءاً مهماً من الموارد. كما يُبرزون أن هذا النمط من التساقطات يُبقي الخزانات في وضعية تذبذب دائم، ويجعلها رهينة التقلبات المناخية الحادة.

ورغم ما يتيحه هذا المخزون من متنفس مؤقت لقطاعات حيوية، مثل الزراعة والتزويد بالماء الصالح للشرب وإنتاج الطاقة الكهرومائية، فإنه لا يعالج جوهر المشكلة المرتبطة بالاستنزاف التاريخي للسدود الأحفورية والمياه الجوفية. وتزداد حدة هذا التحدي مع استمرار أنماط الاستهلاك المرتفعة في عدد من المناطق، خصوصاً تلك التي تعرف اختلالات هيكلية بين العرض والطلب على الموارد المائية.

ويجمع المتابعون على أن تحقيق الأمن المائي على المدى المتوسط والبعيد يقتضي تحويل «الوفرة الظرفية» إلى «مخزون دائم»، عبر تعزيز البنية التحتية، وتسريع مشاريع الربط بين الأحواض المائية، واعتماد تكنولوجيات فعالة لتقليص الهدر. كما يدعون إلى إعادة هندسة السياسات الفلاحية بما ينسجم مع واقع الندرة، وإقرار تسعيرة واقعية للمياه تعكس قيمتها الإستراتيجية، إلى جانب ترسيخ ثقافة الترشيد في مختلف مناحي الاستهلاك.

وتحذّر قراءات متعددة للشأن المائي من أن التعاطي مع ارتفاع مخزون السدود باعتباره مؤشراً على تجاوز الأزمة قد يشكل «خداعاً رقمياً» محفوفاً بالمخاطر، إذا لم يُواكب بقرارات حاسمة ورؤية إستراتيجية متكاملة تستبق التحديات المناخية المتصاعدة. فالماء ليس مجرد أرقام تُسجل في التقارير الدورية، بل رهان وجودي يرسم ملامح الأمن الغذائي ويؤثر بشكل مباشر في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

المقال التالي