آخر الأخبار

بين الترويج والرقابة… جدل صورة المغرب بين المؤثرين والصحفيين

في الآونة الأخيرة، احتضنت مواقع التواصل الاجتماعي نقاشا حادا ومتواصلا حول صورة المغرب في الفضاء الرقمي، بين ما يقدمه عدد من المؤثرين العرب والافارقة والأوروبيين المشهورين، وبين ما يطرحه صحفيون مغاربة من انتقادات تطال بعض السياسات والممارسات التي لا تنسجم مع وتيرة التقدم التي تحققها المملكة.

فبالتزامن مع احتضان المغرب لكأس إفريقيا، برز محتوى واسع لمؤثرين أجانب وعرب يوثقون عبر منصاتهم البنيات التحتية الحديثة، وجودة الملاعب، وحسن الضيافة، إضافة إلى ما يزخر به المغرب من تنوع ثقافي ومناخي، وهو محتوى لقي تفاعلا كبيرا واعتبر لدى فئة واسعة صورة مشرقة تعكس الوجه الحقيقي لبلد يسير بخطى ثابتة نحو التحديث والانفتاح.

في المقابل، أثارت مواد صحفية ناقدة، تناولت اختلالات مرتبطة بتدبير بعض القطاعات أو تأخر خدمات عمومية أو ممارسات سياسية معينة، موجة من الجدل، حيث اتهم بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي صحفيين بتقديم “صورة سوداء” عن المغرب، والمساس بسمعته في لحظة مفصلية يسعى فيها إلى تسويق إنجازاته قاريا ودوليا.

غير أن هذا النقاش، في جوهره، يطرح إشكالية الخلط بين أدوار مختلفة لا يجوز وضعها في كفة واحدة؛ فالمؤثر، مهما بلغت شهرته، يشتغل غالبا بمنطق الترويج، وأحيانا في إطار شراكات مدفوعة مع قطاعات أو مؤسسات تهدف إلى إبراز جانب معين من الصورة، وهو أمر مشروع في حد ذاته، لكنه يظل انتقائيا وموجها لخدمة أهداف تسويقية واضحة.

أما الصحفي، فوظيفته الأساسية لا تقوم على التلميع ولا على التسويق، بل على نقل الواقع كما هو، بما له وما عليه، انطلاقا من مبدأ خدمة الصالح العام؛ وعندما يتحدث صحفي عن قطار تأخر عن موعده، أو عن خدمة لم تحترم فيها المعايير، فهو لا يسيء للوطن، بل يمارس دورا رقابيا طبيعيا، لأن الأصل هو أن يأتي القطار في وقته، وأن تقدم الخدمة بالجودة المطلوبة، وأي إخلال بذلك يستوجب المساءلة والنقد.

الانتقاد الصحفي، حين يكون مهنيا ومسؤولا، لا يتعارض مع حب الوطن ولا مع الدفاع عن صورته، بل يشكل أحد أعمدة الإصلاح ومحاربة مظاهر الفساد والاختلال. فالدول القوية لا تقاس فقط بجمال بنياتها التحتية أو بحسن تنظيم تظاهراتها الكبرى، بل أيضاً بقدرتها على تقبل النقد، والاستماع إلى الأصوات التي تدق ناقوس الخلل من داخلها.

من هذا المنطلق، فإن المقارنة بين محتوى المؤثرين وعمل الصحفيين تبدو مقارنة غير دقيقة، لأنها تضع الترويج في مواجهة الرقابة، والصورة اللامعة في مواجهة الواقع اليومي للمواطن؛ والحال أن المغرب في حاجة إلى الاثنين معا: إلى إبراز إنجازاته ومؤهلاته للعالم، وإلى صحافة يقظة تمارس النقد البناء بدافع الغيرة الصادقة على الوطن والمؤسسات.

إن الدفاع الحقيقي عن صورة المغرب لا يكون بإسكات الأصوات الناقدة، بل بتعزيز الشفافية، وتصحيح الاختلالات، والاعتراف بأن النقد المهني ليس عداء، بل شريك أساسي في مسار التنمية والتقدم.

المقال التالي