آخرها «هدم» مجلس الصحافة.. «مغرب تايمز» يكشف أبرز القوانين المثيرة للجدل في البرلمان لـ2025

شهدت القبة البرلمانية خلال السنة التشريعية الفارطة نقاشات حامية الوطيس، تجاوزت حدود الاختلاف السياسي الطبيعي إلى صدام حقيقي في الرؤى حول عدد من التشريعات المطروحة للتصويت. وتركز الجدل حول مدى دستورية بعض النصوص وانعكاساتها المباشرة على الحريات والحقوق المكتسبة، في ظل اتهامات متبادلة بين الأغلبية والمعارضة بشأن منهجية الحوار ومدى مراعاة التعديلات المقترحة.
وشكل يوم الثلاثاء محطة بارزة في هذا السياق، حيث تزامن التصويت على أحد أكثر القوانين إثارة للجدل مع دعوات للإضراب العام، ما أضفى على الجلسة أجواءً من الاستقطاب الحاد. ولم يكن هذا المشهد سوى غيض من فيض في سنة تشريعية حافلة بالخلافات العميقة التي طبعت عمل المؤسسة التشريعية.
أما القانون الأكثر إثارة للانقسام، فهو القانون التنظيمي المتعلق بحق الإضراب. وواجه هذا النص رفضاً قوياً من طرف غالبية التنظيمات النقابية، التي رأت فيه محاولة لتقييد حق دستوري مكفول عبر فرض إجراءات بيروقراطية معقدة. واعتبرت النقابات أن توقيت إقراره متعمّد، إذ صادق عليه مجلس النواب في نفس تاريخ «اليوم الوطني للإضراب»، وهو ما وُصف من قبلها بـ«الاستفزاز الصريح».
بيد أن هذا الرفض النقابي والسياسي اصطدم بحكم قضائي حاسم صدر يوم الأربعاء؛ إذ قضت المحكمة الدستورية بأن جميع مقتضيات القانون متوافقة مع الدستور بنسبة كاملة، ما أغلق الباب قانونياً أمام أي محاولة لإلغائه. ومع ذلك، ظلت الشكوك قائمة في الأوساط النقابية حول النوايا الحقيقية وراء هذه التنظيمية، ومدى تأثيرها العملي على قدرة العمال على المطالبة بحقوقهم.
وبالتوازي مع ذلك، شهد ملف إصلاح منظومة العدالة هواجس مماثلة؛ فقد أثار القانون المتعلق بتعديل المسطرة الجنائية، الذي تمت المصادقة عليه يوم الخميس، موجة عارمة من الغضب في صفوف هيئة المحاماة، التي رأت في عدد من بنوده تراجعاً خطيراً عن ضمانات المحاكمة العادلة. وجاءت الانتقادات مركزة على تقييد حضور المحامي في مرحلة البحث التمهيدي، باستثناء حالات محددة.
ولم تكن طريقة التصويت على هذا القانون أقل إثارة للجدل من مضمونه؛ إذ أجيز النص في جلسة عامة شهدت نسبة حضور متدنية للغاية، لم تتجاوز 15% من مجموع النواب. وقد فُسر هذا الغياب الكبير من قبل المراقبين على أنه تعبير صارخ عن رفض واسع للنص، أو على الأقل استهانة بالعمل التشريعي ذي الحساسية العالية.
وفي قطاع الإعلام، اشتعل الجدل حول مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. وهو المشروع الذي وصفته نقابات القطاع بصوت واحد بأنه محاولة لـ«هدم» استقلالية المؤسسة وتقويض التنظيم الذاتي للمهنة. واعتبر المهنيون أن القانون الحكومي يمثّل تراجعاً خطيراً عن المكتسبات ويهدد حرية الصحافة من خلال إخضاع المجلس لهيمنة الجهاز التنفيذي.
وتجسّد الإصرار الحكومي على هذا النص خلال جلسة التصويت التي عقدت يوم الأحد، حيث تمت المصادقة عليه رغم انسحاب كتل المعارضة احتجاجاً على رفض الوزارة المعنية كافة تعديلاتها. وأظهر المشهد انقساماً واضحاً بين رغبة الحكومة في المضي قدماً باستخدام الأغلبية العددية، وإصرار النقابات والمعارضة على رؤية مختلفة تحافظ على استقلال القطاع.
ولم تكن القوانين المتعلقة بالمنظومة الانتخابية بمنأى عن هذا الجدل، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة. فالقانون التنظيمي الخاص بمجلس النواب، الذي فتح باب الترشح للمستقلين بشروط محددة، قوبل بانتقادات من بعض الأطياف الحزبية التي رأت فيه تشجيعاً للعزوف عن العمل الحزبي المنظم.
كما أثار مقتضى تجريم نشر «أقوال كاذبة» من شأنها التشكيك في نزاهة العملية الانتخابية قلقاً واسعاً. وحذّر فاعلون سياسيون وإعلاميون من أن هذه الصياغة الفضفاضة قد تُستخدم لتكميم الأفواه وتقييد الحق الدستوري في النقد ومراقبة سير الانتخابات، تحت ذريعة حماية النزاهة.
وكما حدث مع قانون الإضراب، كان للمحكمة الدستورية الكلمة الفصل؛ حيث أعلنت أن نصوص القوانين الانتخابية، بما فيها مواد التجريم المذكورة، لا تخالف الدستور. وبررت قرارها بأن التجريم يستند إلى غاية مشروعة، ولا يمس حرية الصحافة المهنية القائمة على «حسن النية والتحقق»، بل يحمي الحياة الخاصة ونزاهة الاقتراع.
تُظهر سنة 2025 التشريعية صورة برلمان منقسم على نفسه، حيث غلبت لغة الأغلبية والأرقام على لغة الحوار والتوافق في قوانين تمس صميم الحقوق والحريات. ورغم أن الطعن الدستوري كان الملجأ الأخير للمعارضين، فإن القرارات القضائية لم تُسكت كل الأسئلة المجتمعية حول توازن هذه القوانين وانعكاساتها على المدى الطويل.

تعليقات