آخر الأخبار

زلة لسان أم تجاوز في حق السيادة؟.. برلمانية «الأحرار» تثير عاصفة جدل باستعمالها «تجديد العهد» تجاه أخنوش

في مشهد يُذكر بسياقات سياسية غابرة، وجدت برلمانية من حزب الأغلبية نفسها تسبح في بحر المصطلحات ذات الحمولة التاريخية والدستورية الفريدة. الحادثة التي وقعت اليوم، تكشف عن انزياح خطير في فهم طبيعة الدولة ومكوناتها الأساسية. ما حدث ليس مجرد زلة لسان عابرة، بل هو مؤشر على اختلال عميق في الثقافة السياسية لدى شريحة من النخب. البرلمانية التي يفترض أنها تمثل الشعب، اختارت أن تخلط الأوراق بشكل يثير الاستهجان. الخطاب الذي أطلقته لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تراكم لظاهرة التمجيد التي تجتاح بعض الأوساط الحزبية. الغريب أن الحادثة وقعت في وقت يفترض أن تكون فيه الأولوية للقضايا الجوهرية التي تهم المواطن.

الانزياح اللغوي الذي مارسته البرلمانية يذكرنا بثقافة البلاطات القديمة، حيث يتحول السياسي إلى بطل أسطوري. استخدام عبارة «تجديد العهد» لم يكن محض صدفة، بل يعكس قناعة راسخة بضرورة خلق زعامات بديلة. هذا النهج يشكل خطراً حقيقياً على الوضوح الدستوري الذي تقوم عليه الدولة. البرلمانية، وبكل أسف، قدمت نموذجاً لكيفية عدم ممارسة السياسة. بدلاً من التركيز على مضامين تخدم ناخبيها، اختارت الانغماس في خطاب التبجيل الأجوف. المفارقة أن هذا الانزياح يأتي في عصر يفترض أن تكون فيه اللغة السياسية أكثر دقة وشفافية.

المشكلة تتجاوز الشخص إلى المنظومة التي تسمح بوجود مثل هذه الثقافة. فكيف يمكن لبرلمانية منتخبة أن تخلط بين مستويات الخطاب بهذا الشكل الفاضح؟ السؤال الأهم: أين كانت الرقابة الحزبية الداخلية؟ يبدو أن الحماسة الحزبية قد طغت على المسؤولية الوطنية في هذا الموقف. الحادثة تكشف عن أزمة هوية يعانيها جزء من النخبة السياسية، التي تبحث عن شرعيتها في المكان الخطأ. الظاهرة تستدعي وقفة جادة من جميع الأطراف المعنية، قبل أن تتحول إلى ثقافة راسخة.

هذا الانزياح ليس مجرد خطأ بروتوكولي، بل هو إساءة للذاكرة الجماعية للمغاربة. المصطلحات التي استخدمتها البرلمانية تحمل دلالات تاريخية عميقة، لا يمكن اختزالها في سياق حزبي ضيق. الثقافة السياسية المغربية تقوم على توازن دقيق بين مختلف مكونات الدولة، والعبث بهذا التوازن يمثل خطراً على الاستقرار. البرلمانية، بهذا التصريح، تكون قد قدمت رسالة خاطئة للأجيال الشابة حول طبيعة العمل السياسي. الأكثر إثارة للقلق أن الحادثة مرت دون أي تصحيح فوري من المحيطين.

الظاهرة تكشف عن مرض سياسي أعمى يصيب النخب، يجعلها تبحث عن الشرعية خارج الإطار الدستوري. البرلمانية لم تكن تخطئ بل كانت تعبر عن قناعة راسخة في أوساط سياسية معينة. هذا النوع من الخطاب يذكرنا بأنماط الحكم الشمولي، حيث يتحول الزعيم الحزبي إلى مركز الكون. الغريب أن هذا يحدث في وقت يشهد فيه المغرب دينامية سياسية ديمقراطية ملحوظة. السؤال الذي يطرح نفسه: هل نعيش أزمة قيم في الثقافة السياسية؟ الإجابة تبدو مؤلمة للغاية.

المفارقة الأكثر إيلاماً أن البرلمانية تنتمي لجيل يفترض أنه أكثر وعياً وحداثة. لكن يبدو أن ثقافة «التبعية» ما زالت متجذرة في العقل السياسي المغربي. الحادثة تثبت أن التحديث الشكلي لا يكفي، ما لم يصاحبه تحول جذري في الثقافة والممارسة. البرلمانية، بهذا التصريح، تكون قد أساءت ليس فقط للمؤسسات الدستورية، بل أيضاً لجيلها الذي يفترض أنه يحمل قيماً جديدة. الأهم من ذلك، أنها أساءت لنفسها قبل أي شيء آخر.

الانزياح الخطابي الذي حدث هو جزء من ظاهرة أكبر، حيث يتحول الولاء الحزبي إلى نوع من العبادة الشخصية. البرلمانية قدمت نموذجاً صارخاً لظاهرة «التملق المؤسساتي» التي تجتاح بعض الأوساط السياسية. هذه الثقافة تخلق بيئة خصبة لانتشار القيم المضادة للديمقراطية. الأسوأ أن هذا النهج يحول السياسة من مجال للصراع حول الأفكار إلى ساحة للمداهنة والتبجيل. النتيجة الحتمية هي إفراغ العمل السياسي من مضمونه، وتحويله إلى طقوس شكلية فارغة.

في الختام، الحادثة يجب أن تكون جرس إنذار للجميع. فالمصطلحات السياسية ليست محايدة، وهي تحمل تاريخاً ورمزية لا يمكن تجاوزها. البرلمانية مدعوة لمراجعة نفسها، والحزب مطالب بتصحيح المسار. الأهم من ذلك، أن النظام السياسي بكامله يحتاج إلى وقفة جادة لمواجهة هذه الظاهرة. فالديمقراطية ليست فقط انتخابات ومؤسسات، بل هي أيضاً ثقافة وتوازنات يجب احترامها. الشرعية الحقيقية تأتي من خدمة الشعب، لا من تقمص أدوار ليست من اختصاص أحد.

المقال التالي