آخر الأخبار

استعداداً لـ«كان».. كيف ستغير كاميرات المراقبة الذكية خريطة الأمن في المغرب؟

تشق آلاف الكاميرات الذكية طريقها إلى الشوارع المغربية، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى تعزيز الأمن العام، وهو ما يندرج في صميم المهام الدستورية للدولة التي تضمنها الفصل 20 من الدستور، الذي ينص على أن «حق الحياة هو أول الحقوق الأساسية لكل إنسان، وتكفل الدولة الأمن لكل شخص وللكل في إطار احترام الحقوق والحريات». يأتي هذا المشروع الطموح في توقيت حاسم، مع استعداد البلاد لاستضافة كأس إفريقيا للأمم.

لا تقتصر هذه الكاميرات على التسجيل التقليدي، بل تتمتع بقدرات تحليلية متطورة. أنظمة التعرف على الوجوه، والتتبع الذكي للحركة، وتحليل السلوكيات، تشكل معاً منظومة أمنية متكاملة. هذه التقنيات تتيح رصد الأنشطة المشبوهة والاستجابة السريعة للطوارئ.

من الناحية القانونية، تمثل هذه التقنية نقلة نوعية في العمل الأمني. فهي تتيح الانتقال من التعامل مع الجريمة بعد وقوعها إلى منعها قبل حدوثها. كما توفر أدلة دقيقة يمكن الاعتماد عليها في الإجراءات القضائية، حيث يمكن أن تشكل التسجيلات التي تلتقطها هذه الكاميرات عنصر إثبات في الدعاوى العمومية، شريطة احترام شروط التدخل والمصادقة عليها وفقًا لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية، الذي ينظم أدلة الإثبات وإجراءات التحقيق.

ويبرز تحدّي التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الحريات. استخدام البيانات المجمعة يتطلب إطاراً قانونياً واضحاً، يحدد آجال حفظ التسجيلات وطرق الوصول إليها. ويأتي هذا الإطار تماشياً مع الفصل 24 من الدستور الذي يضمن حرمة الحياة الخاصة، كما يخضع استخدام هذه التقنيات لمقتضيات القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الذي يشترط تحديد الغرض من جمع البيانات ومدة حفظها، ويقيد الوصول إليها.

كما يستلزم وجود رقابة مستقلة تضمن التطبيق السليم للضوابط، وهو الدور الذي أنيط بـاللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، كمؤسسة مستقلة تكفلها التشريعات الجاري بها العمل لضمان عدم تجاوز استخدام هذه التقنيات للغايات المحددة لها.

على الأرض، تظهر فوائد هذه المنظومة في مجالات متعددة. فهي تساهم في خفض معدلات الجريمة، وتحسين إدارة الحركة المرورية، وتعزيز الأمن السياحي. كما تقدم بيانات قيمة تساعد في التخطيط الحضري واتخاذ القرارات.

وتشير التجارب في المدن الأولى إلى نتائج إيجابية ملحوظة. فقد سجلت هذه المناطق انخفاضاً في جرائم الشوارع، وتحسناً في زمن الاستجابة للطوارئ. كما ساهمت الكاميرات في حل قضايا معقدة اعتماداً على التسجيلات عالية الدقة.

من جهة أخرى، يظل الجانب التوعوي حاسماً لنجاح المشروع. إذ يتطلب تعاوناً مجتمعياً وثقة بين المواطنين والجهات المعنية. حملات التوعية وورش العمل يمكن أن تسهم في بناء هذه الثقة وشرح فوائد النظام وضمانات القانونية المرافقة له.

وفي الخلفية التقنية، يجري تطوير البنية التحتية اللازمة لدعم هذه المنظومة. يشمل ذلك مراكز بيانات آمنة، وأنظمة اتصالات متطورة، وبرامج تدريب متخصصة للكوادر العاملة في هذا المجال.

مع اقتراب الموعد الرياضي الكبير، تبرز هذه المبادرة كاستثمار استراتيجي في الأمن والاستقرار. نجاحها قد يجعل من المغرب نموذجاً يُحتذى في المنطقة، خاصة إذا اقترن بحوكمة رشيدة تحقق التوازن بين الفعالية الأمنية واحترام الحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور والقوانين التنظيمية.

المقال التالي