آخر الأخبار

بين استشراف محمد لغروس ووقع الفضيحة: لحظة الحقيقة في الإعلام المغربي

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا

جاءت مداخلة الأستاذ محمد لغروس، مدير نشر جريدة “العمق المغربي”، في لقاء علمي يوم 28 يونيو 2025 بمثابة قراءة متقدمة واستشراف دقيق لِما سيحدث لاحقاً داخل لجنة أخلاقيات الصحافة، قبل أن ينفجر الرأي العام على وقع تسريب فيديو كشف واقعاً مقلقاً حول النزاهة، وطريقة تدبير النقاش داخل المؤسسة التي يفترض أن تكون “ضمير الصحافة المغربية”.
وبذلك بدت مداخلة لغروس وكأنها وثيقة استباقية شرحت العطب قبل أن يظهر للعيان، وقدّمت تفسيراً مبكراً لما سيفجّره التسريب لاحقاً من جدل وأسئلة جوهرية حول مصداقية الجسم الإعلامي.

انطلق لغروس من فكرة بسيطة وعميقة:

المشكل ليس في النصوص، بل في الأشخاص الذين يُسند إليهم إصلاح المهنة.

فالمغرب راكم خلال العقد الأخير عدداً من النصوص المرجعية:
الدستور، القوانين التنظيمية، ميثاق الأخلاقيات، الأبحاث الأكاديمية، الكتب البيضاء، والاجتهادات المهنية.
لكن كل هذا “التكديس” لم يمنع من تدهور واقع الممارسة، لأن الجوهر هو القيادة المهنية، أي الأشخاص الذين يسهرون على حماية المهنة، لا الأوراق التي توضع على الرفوف.

ولذلك قال لغروس بوضوح في مداخلته القيمة:

“إذا وضعت ذئبا لحراسة الغنم فلا تسأل عن النتائج.”

وهو تشبيه لاذع، لكنه يعكس عمق الأزمة:
اختراق الجسم الإعلامي بأشخاص لا يمثلون قيم المهنة، ولا يعرفون لها نسباً، بل تحول بعضهم – كما وصف لغروس – إلى “كائنات تستيقظ كل صباح بحثاً عن خرق جديد”.

هذا التشخيص، الذي بدا للبعض مبالغاً فيه حينها، جاء التسريب الأخير ليؤكده حرفياً، ويكشف أن إشكالية “النزاهة والقدوة” ليست نظرية، بل واقعاً يومياً يهدد مصداقية الصحافة.

شدّد لغروس على أن الأزمة الحقيقية تكمن في طريقة اختيار من يمثلون الجسم الصحفي.
فالحديث عن أخلاقيات المهنة أو التنظيم الذاتي يصبح عبثاً إذا كانت:

الانتخابات غير شفافة،

التعيينات مسبقة،

اللوائح جاهزة،

والأسماء يتم اختيارها على أساس الولاءات لا الكفاءة.

وقد حذّر لغروس في مداخلته من “الهروب إلى حلول تلفيقية” كاللجان المؤقتة، أو تمديد الولايات، أو التوافقات غير الديمقراطية.
وجاء التسريب الأخير ليظهر أن النقاش حول أخلاقيات الصحافة داخل اللجنة لم يكن نقاشاً مهنياً، بل صراعاً بين مجموعات مصالح، وأن بعض الأصوات المستخدمة في الحوار لا علاقة لها بالحياد ولا بالنزاهة.

وهذا ما جعل كثيرين يصفون تسريب الاجتماع بأنه “الوجه العاري للأزمة” التي تحدث عنها لغروس قبل أشهر.

وقد أكد لغروس أن الدولة عليها أن تضمن مناخ الحرية، وأن تترك الجسم المهني ينظم نفسه بنفسه، لأن أي تدخل يجعل التنظيم الذاتي بلا معنى.
لكن هذا لا يعفي الدولة من مسؤولية حماية المهنة من الفوضى والاختراق والتفاهة والعبث.

فالدولة مطالبة بـ:

تهيئة بيئة الحرية لا التحكم.

توفير الدعم المؤسساتي دون وصاية.

ضبط الانحرافات القانونية الخطيرة عندما تتحول المهنة إلى مرتع للتلاعب والتزوير.

ضمان انتخابات نزيهة تفرز وجوهاً مصلحة لا وجوهاً مستهلكة.

وهذه نقطة كشف التسريب خطورتها:
فإذا كان “حراس الأخلاق” أنفسهم يفتقدون لأخلاقيات الحوار، فكيف يُمكنهم صون المهنة؟
وأين هي المؤسسة التي تحمي الصحافة من السقوط في الهاوية؟

المشهد الإعلامي – كما يراه لغروس – يعاني من:

التضليل،غياب المهنية،تفشي التفاهة،تحالف المصالح،ضعف التكوين،وتراجع احترام القيم المهنية العليا.

وهي مظاهر أكدها التسريب، إذ رأى المغاربة للمرة الأولى ما كان يُروى همساً:
انحدار مستوى النقاش، ضعف الحجج، هيمنة الذاتية، وانعدام الحسّ المؤسساتي.

إنها لحظة صادمة لكنها ضرورية، لأنها تدفع المجتمع الإعلامي إلى مواجهة حقيقته.

لماذا أكتبُ عن هذا الموضوع كصحفي مغربي مقيم بإيطاليا؟

قد يبدو للبعض أن ما يحدث داخل الجسم الإعلامي المغربي شأن داخلي يهم الصحفيين بالداخل، لكن الحقيقة أنه يمسّنا جميعاً، بمن في ذلك نحن الصحفيين المقيمين بالخارج.

وأكتب عنه اليوم لعدة أسباب:

أولاً: لأننا كصحفيين بالخارج مهمشون ومقصيون، لكننا مسؤولون ومتابعون للشان العام وما يقع في بلدنا المغرب.

فقد تم إقصاء الصحفيين المغاربة في المهجر من مؤسسات القرار المهني، رغم أننا نمثل امتداداً طبيعياً للجسم الإعلامي الوطني.
لكن الإقصاء لا يعفينا من المتابعة والنقد.

ثانياً: لأن مداخلة محمد لغروس شكلت صوتاً نزيهاً نادراً

وأشعر بواجب مهني في تسليط الضوء عليها، لأنها كانت صريحة، علمية، صادقة، ولأنها – وهذا مهم – تنبأت بما حدث.

ثالثاً: لأن الصحافة تُختطف اليوم من طرف “لقطاء مهنيين”

أشخاص لا علاقة لهم بالإعلام، لا تكويناً ولا ممارسة، لكنهم يملؤون المشهد بالضجيج:

محتوى فارغ،خطاب كراهية،تصفية حسابات،ترويج الشائعات،الابتزاز الإعلامي.

وهؤلاء، إن تُرك لهم المجال، سيُسقطون ما تبقى من الهيبة المهنية.

رابعاً: لأن التفاهة أصبحت سرطاناً يفتك بالمشهد الإعلامي

وما لم يتم اتخاذ موقف حازم، فسيتحول الإعلام إلى مسرح للتهريج بدل أن يكون سلطة رقابية مسؤولة.

خامساً: لأن هذه رسالة للمسؤولين على القطاع

المطلوب ليس مزيداً من النصوص، بل:انتخابات نزيهة،قيادة مصلحة،آليات شفافة،ومحاسبة حقيقية للمتجاوزين.

لم تكن مداخلة لغروس خطاباً عادياً، بل كانت إنذاراً مبكراً.
ولم يكن التسريب حادثاً عابراً، بل فضيحة مؤسسة.
واليوم، أصبح ضرورياً – أكثر من أي وقت مضى – أن ينهض الجسم الإعلامي لإعادة بناء نفسه من الرماد.

فلا ديمقراطية دون صحافة قوية.
ولا صحافة قوية دون أخلاق.
ولا أخلاق دون أشخاص نزهاء.
ولا نزاهة دون انتخابات نقيّة.

إن ما جرى ليس سقوطاً… بل فرصة نادرة للوقوف من جديد على أرض صلبة، وبناء إعلام يليق بالمغرب وتاريخه ومستقبل أجياله.

الله يصلح حالنا جميعا.

المقال التالي