هل يبرئ تقرير مجلس المنافسة حكومة أخنوش من مسؤولية الغلاء؟

أصدر مجلس المنافسة تقريره السنوي برسم سنة 2024، متضمناً تحليلات دقيقة لوضعية الأسواق المغربية، أبرز فيها اختلالات عميقة في سلاسل الإنتاج والتوزيع، واستمرار الضغوط التضخمية، وهيمنة لوبيات على قطاعات استراتيجية. غير أن التقرير، رغم تشخيصه المفصل، يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يحمّل الحكومة فعلاً مسؤولية فشلها في حماية القدرة الشرائية، أم يوجّه أصابع الاتهام أساساً إلى الوسطاء والتجار الصغار، تاركاً حكومة أخنوش في موقع المراقب لا الفاعل؟
تضخم يتراجع في الأرقام.. ويستمر في الواقع
أكد التقرير أن معدل التضخم تراجع نسبياً سنة 2024، لكن هذا التراجع لم يترجم إلى انخفاض في أسعار المواد الأساسية، حيث بقيت الفاتورة اليومية للمواطن مرتفعة. المجلس شدد على أن التحكم في التضخم لا يكفي أن يُقاس عبر المؤشرات الكلية والسياسات النقدية، بل يتطلب ضبطاً حقيقياً للممارسات التجارية والرقابة على سلاسل التوزيع. ومع ذلك، لم تُفعل الحكومة إصلاحات هيكلية عميقة رغم وعودها المتكررة.
سوق الخضر والفواكه.. مسالك طويلة واحتكار متجذر
تقرير 2024 خصص رأياً كاملاً لسوق الخضر والفواكه، مسلطاً الضوء على المسالك الطويلة من الضيعة إلى المستهلك، حيث ترتفع الكلفة بفعل تعدد الوسطاء وانتشار البيع قبل الجني وضعف تنظيم أسواق الجملة. النتيجة: أسعار مرتفعة لا يستفيد معها المواطن من فترات الوفرة. ورغم إدراك الحكومة لهذه الاختلالات، لم تقدم إصلاحاً شاملاً، ما يجعل هذا الملف عنواناً صارخاً لعجزها.
الأعلاف المركبة.. ثماني شركات تتحكم في قوت الفلاح
أوضح التقرير أن ثماني شركات فقط تستحوذ على 75% من سوق الأعلاف المركبة، مع اعتماد شبه كلي على واردات الذرة والشعير. هذا الوضع رفع كلفة الإنتاج الحيواني وأدى إلى غلاء اللحوم والحليب. المفارقة أن رئيس الحكومة، القادم من قلب قطاع الفلاحة، لم يضع خطة لتقليص التبعية أو دعم الإنتاج المحلي. وبذلك ظل المستهلك رهينة لوبيات تتحكم في غذائه.
الكهرباء.. إصلاحات مؤجلة وفواتير مشتعلة
أبرز التقرير أن قطاع الكهرباء ما زال مكبلاً بتكاليف مرتفعة ونموذج غير تنافسي يهيمن عليه المكتب الوطني للكهرباء. المجلس أوصى بإصلاح جذري طويل الأمد، يتضمن إعادة هيكلة المكتب وتخفيف أنشطته الإنتاجية والتوزيعية. غير أن الحكومة اكتفت بخطابات عن “الانتقال الطاقي” دون إجراءات ملموسة، فظل المواطن يؤدي فواتير ملتهبة.
المحروقات.. تركيز السوق وتواطؤ الصمت
ملف المحروقات حضر بقوة، حيث أكد التقرير استمرار التركيز في يد عدد محدود من الفاعلين، وضعف المراقبة الفعلية. ورغم أن لدى الحكومة أدوات للتدخل (التسقيف، الضرائب، الدعم المستهدف)، إلا أنها فضلت الصمت. وهو ما يثير شبهة تواطؤ موضوعي مع لوبيات الطاقة، في وقت يئن المواطن تحت أسعار وقود خانقة.
أرباح مضاعفة وقدرة شرائية منهارة
أبرز المجلس أن عدداً من الفاعلين راكموا هوامش ربح عالية سنة 2024 في قطاعات استراتيجية، خصوصاً الغذاء والطاقة. هذا في وقت عاشت الأسر ضغطاً اجتماعياً خانقاً. التناقض واضح: سوق يخدم أقلية نافذة على حساب ملايين المستهلكين، وحكومة تكتفي بمتابعة الأرقام دون تحرك سياسي حقيقي.
تدخلات المجلس.. تشخيص بلا سند حكومي
أشار التقرير إلى أن المجلس قام بعمليات “زيارة وحجز” وفتح تحقيقات في قطاعات مثل خدمات التوصيل، كما أصدر آراء في مجالات الكهرباء والخضر والأعلاف. لكن هذه التدخلات، مهما بلغت صرامتها، تظل غير كافية في غياب دعم حكومي وإرادة سياسية لمواجهة اللوبيات الكبرى.
الخلاصة.. مواطن بين سندان الغلاء ومطرقة الوعود
يبقى المواطن المغربي، في ضوء تقرير 2024، ضحية أساسية لغلاء لا يرحم ووعود حكومية لم تُنفذ. المجلس وفّر تشخيصاً تقنياً دقيقاً، لكنه لم يلامس الجذر السياسي للأزمة: غياب إرادة حكومية شجاعة لإصلاح شامل. النتيجة أن حكومة أخنوش تبدو وكأنها تحتمي وراء تقارير تقنية بينما تستمر الفوارق الاجتماعية في الاتساع.
تعليقات