السياسي يبيع الوهم ورجل الأعمال يبيع الهواء.. والمواطن يشتري الصبر بأثمان باهظة

في زمن تتعرّى فيه الحقيقة، لم يعد للفقر حشمة، ولم يعد للغنى حياء. تآكلت الطبقة الوسطى كما تتآكل جدران منزل قديم ضربه الإهمال، وتحوّل المواطن إلى ظلّ يمشي في الأسواق، يلمس الأسعار بأصابعه المرتعشة، ثم يعود خائبًا، بلا لحم، بلا خضر، بلا أمل، فقط بجيوب فارغة وابتسامة مستعارة كي لا يفقد ماء الوجه أمام البائع الذي يقرأ فقره في نظراته.
الحكومة لم تعد تُدير شؤون المواطنين، بل تدير سوقًا ضخمة، حيث يبيع السياسي الوهم، ورجل الأعمال يبيع الهواء، والمواطن يشتري الصبر بأثمان باهظة. حكومة تُبشّرنا كل يوم بنهاية الأزمة، فيما تزداد الأزمة ترسّخًا، كغبار يتراكم على قلب المدينة العتيقة. رئيسها، رجل المال، يفهم الاقتصاد كما يفهم الصياد البحر؛ وخاتمة هذه الفقرة تعرفونها.
الأرقام كالجثث.. لا حياة فيها إلا لرائحة الفساد، التضخم تخطى 6%، لكنه في جيوبنا صار 100%؛ نشتري بنقود الأمس حاجيات اليوم، فلا تكفي، ولا تشبع، ولا ترحم.
المحروقات بلغت 16 درهمًا للتر، والحكومة صامتة؛ فحين يشتعل المواطن، ترتفع أرباح شركات المحروقات، وحين ينطفئ، تبيع لنا الحكومة الأمل بقنينات صغيرة، كما تُباع العطور الرخيصة.
اللحوم تجاوزت 120 درهمًا للكيلوغرام، فصار الفقراء نباتيين رغمًا عنهم، لكن دون أن يكسبوا مزايا النباتيين؛ لا صحة، لا رشاقة، فقط هزال يشبه أعمدة الإنارة في مدينة لا نور فيها.
“المخطط الأخضر”، الذي وُعدنا به كخلاص، كلّف 146 مليار درهم، لكنه لم يمنعنا من استيراد القمح والخضار وحتى الماء، كأننا نعيش في صحراء بلا وطن، أو وطن بلا سياسة.
الصفقات تُعقد في صمت، كما تُعقد صفقات بيع السلاح بين دول تدّعي الحياد. شركات تستورد اللحوم المجمدة، تُحدد الأسعار، ثم تبيع لنا فقرنا مغلفًا بالوعود.
الحكومة يديرها رجل أعمال، تاجر محنك، يعرف كيف يحول المواطن إلى مستهلك أبدي لسياسات فاشلة لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد.
لماذا ننتظر من رجل أعمال أن يُصلح أحوالنا؟ السياسة حين تتزوّج المال، تُنجب الفساد، وعندما يصبح رجل الأعمال وزيرًا أو رئيساً للحكومة، يتحوّل المواطن إلى زبون، والوطن إلى متجر، والتنمية إلى إعلان ترويجي يُبث كل أربع سنوات.
المخطط الأخضر، الجيل الأخضر، أوراش، العناوين وحدها تتغير، أما الفقر، فباقٍ كحارس ليلي في مصنع مغلق. كل شيء يُباع: الصحة، التعليم، حتى الأمل صار يُباع بالتقسيط. المواطن لم يعد مواطنًا، بل مستهلكًا مجبرًا على شراء بضاعته الرديئة كل يوم، بثمن أعلى وقيمة أقل.
النهاية التي يعرفها الجميع..
في المساء، حين تنطفئ أنوار المدينة، يجلس المواطن أمام التلفاز، يستمع لنشرة الأخبار، يسمع أن الحكومة تُخطط لإصلاح الاقتصاد، فيبتسم بسخرية، يغيّر القناة، يشاهد فيلمًا عن تضارب المصالح والفقر والفساد، فيجد أن القصة مألوفة جدًا، وكأنها مأخوذة من حياته الشخصية.
وفي الأخير، تُطوى الصفحة، ويُكتب عنوان جديد:
“وكل أزمة، وأنتم تحت رحمة الأرقام!
د.عبد الرحيم بوعيدة
أستاذ جامعي
تعليقات