الملياردير عزيز أخنوش والتعديل الحكومي

مراد بورجى

تروج بين الفينة والأخرى أخبارٌ تتحدث عن تعديل حكومي مرتقب، يُحاول مُروّجوه نسب الرغبة في هذا “التعديل المزعوم” إلى القصر الملكي، وإيهام المغاربة أن الملك محمد السادس هو من يريده.وقد سبق الترويج لهكذا أخبار في مثل هذا الوقت وهذه الظرفية بالذات السنة الماضية حين “دسَّ” أحدهم (وأغلب الظن هو أخنوش) للمجلّة الفرنسية “جون أفريك” أن الملك محمد السادس بصدد الإعداد لـ”تعديل حكومي مزعوم”، وادّعت المجلة، وقتها، أنها استقت هذا الخبر من مصدر “مُقرّب” من الملك نفسه، وكنت وقتها سبّاقا لتكذيب هذا الخبر، وكشف ملابساته، التي كانت آنذاك واضحة، وهي أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش كان يُحاول “إقحام القصر” لامتصاص الضغط الشعبي الكبير، في محاولة يائسة منه لصرف أنظار المغاربة عن “هاشتاغ الرحيل”، الذي رفعه في وجهه وقتها السواد الأعظم من المغاربة، مطالبين بالتدخل الملكي لتنحية هذا “البارون” من على كرسي رئاسة الحكومة، بسبب الارتفاع الصاروخي لأسعار المحروقات، التي أشعلت النار في أسعار كل المواد الغذائية، وألهبت جيوب المواطنين، الذين خرجوا للشارع يستغيثون بالقصر.وكانت “المكيدة المدبّرة” هي تقديم حزب الأصالة والمعاصرة قربانًا، بإلصاق تهمة فشل تدبير أخنوش الحكومي للبام، عبر الترويج لـ”غضبة” ملكية على أمينه العام عبد اللطيف وهبي، بسبب تدخله في اختصاص الملك بشأن العفو عن معتقلي الريف، وكذا خرجات وزير العدل الغير محسوبة، وافتعال أزمة بسبب تصريحات الرّابّور طوطو للتضحية بوزير الثقافة المهدي بنسعيد، وفي نفس الوقت التضحية بوزراء البام، بزعم توقيف “حرب الاختصاص”، التي تشنها وزيرة التعمير فاطمة الزهراء المنصوري على وزير الداخلية بسبب “تسيُّب” مدير الوكالة الحضرية لجهة الدارالبيضاء سطات، الخارج عن اختصاصها “عُنوة”، وغيرها من الأسباب التي تم الترويج لها بقوة شهورًا قبل نشر مجلة “جون أفريك” لخبر “التعديل الحكومي الكاذب”.

ومثلما كان عليه الحال بالأمس، فإن نفس الترويج لتعديل حكومي مفترض عاد ليطفو على السطح، والقربان هذه المرّة هو حزب الاستقلال، وحرب القطبين “المزعومة”، في محاولة لإقحام القصر، مرة أخرى، بالترويج لإقدام الملك على تعديل حكومي مزعوم، وكأن مؤسسات الدولة متوقفة.

أولًا، إنه افتراء على القصر، وعلى الجالس على العرش، أن يعتقد البعض أن الملك يرغب في تعديل حكومي، لسبب بسيط هو أن الملك محمد السادس ليس هو من اختار حزب الأصالة والمعاصرة، أو حزب الاستقلال لتشكيل أغلبية أخنوش، بل أخنوش أختار حزب علاّل الفاسي لاستغلال خبرته في التسيير الحكومي لأكثر من 60 سنة، ولوجود “أهل فاس” في دهاليز الإدارة منذ القِدَم، وضمَّ له حزب الأصالة والمُعاصرة اعتقادا منه أن ذلك سيقرِّبه، مرّة أُخرى، من فؤاد عالي الهمة، بعد الهُوّة التي خلقها “غدر” عزيز أخنوش لمُؤسس حزب البام حين خروجه للعمل السياسي من خارج القصر، ونسي أخنوش البلاغ الملكي، الذي ردّ فيه الملك شخصيًا على تصريحات نبيل بنعبد الله، حينما كان مازال يعتقد أن فؤاد عالي الهمة ما زالت له علاقة بحزب البام أو بأحد منه، إذ شدّد البلاغ، الذي أصدره القصر، وقتها، على أن فؤاد عالي الهمة: “مستشار لجلالة الملك حاليا، ولم تعد تربطه أي علاقة بالعمل الحزبي، لافتًا إلى أن “مستشاري صاحب الجلالة لا يتصرفون إلا في إطار مهامهم، وبتعليمات سامية محددة وصريحة من جلالة الملك”.وهنا، لابدّ من نقطة نظام، وهي أن العلاقات الإنسانية أو حتى “العائلية” شيءٌ، وتدبير المهام الموكولة للمستشار الملكي شيءٌ آخر، وهو ما يُحيلنا على حضور فؤاد عالي الهمة لعُرس أقامه إلياس العمري، وقتها، وبعدها بشهور “أُلقي” بإلياس في مزابل التاريخ.وهنا، لابدّ من نقطة نظام، وهي أن العلاقات الإنسانية أو حتى “العائلية” شيءٌ، وتدبير المهام الموكولة للمستشار الملكي شيءٌ آخر، وهو ما يُحيلنا على حضور فؤاد عالي الهمة لعُرس أقامه إلياس العمري، وقتها، وبعدها بشهور “أُلقي” بإلياس في مزابل التاريخ.ثانيًا، إذا كان رئيس الحكومة عزيز أخنوش يرغب في تغيير شكل أغلبيته الحكومية، فذلك يرجع له، وما عليه سوى أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، من أعضاء حكومته، طبقًا لمقتضيات الفصل 47 من الدستور المغربي، وبذلك يقوم بالتعديل الذي يُريد، أمّا إن كان أخنوش يبحث عمّا يُريده الملك، فذاك شيء آخر.

الملك محمد السادس لن يرغب سوى في الاصطفاف إلى جانب الأغلبية الساحقة من الشعب المغربي، التي تُطالبه بإبعاد هذا الملياردير الذي يستفيد من النفوذ وخلط المال بالسياسة، منذ أن عُيِّن وزيرا للفلاحة في حكومة عباس الفاسي سنة 2007، مرورًا بحكومتي حزب العدالة والتنمية، وصولاً إلى “استيلائه”، بعد انتخابات شتنبر 2021، على كرسي رئاسة الحكومة، وهو ما كان ومازال وراء تنمية مشاريعه وثروته حتى أصبحت الصحف والمجلات المالية الدولية تتحدث عن ثرائه الفاحش، وتصنفه من أوائل أثرياء افريقيا.

ولا يخدعنا السي عزيز أخنوش عندما يردد، هنا وهناك، أن الثراء الفاحش الذي ينعم به اليوم هو بسبب إرث ورثه، بل الحقيقة أن “النفوذ المشبوه” هو من رزقه بغير حساب. وإلاّ فلْيُطلعنا عزيز أخنوش على أرباح شركاته قبل تاريخ 08 أكتوبر 2007، الذي أصبح فيه وزيراً، لنفهم سرعة وتيرة تصاعد ثروته بعد هذا التاريخ. ولْيُطلعنا أخنوش على تصريحه بممتلكاته إذا كان يحترم القانون، وصرّح بها فعلاً سنة 2010، بعدما أصبح التصريح بالممتلكات إجباريا.

بنقرة واحدة على الشبكة العنكبوتية، نكتشف الأرباح الضخمة، التي جناها ويجنيها عزيز أخنوش بعد أن أصبح وزيراً و”صديقًا مزوراً للملك”، إلى حد أن أُصيب الشعب المغربي ومعه العالم بالذهول، عندما نشرت مجلة “فوربس” الشهيرة أن ثروة الوزير أخنوش قفزت، في عز أزمة جائحة كورونا، لتتجاوز ملياري دولار أمريكي!.

لذلك، فإن مزاعم الحديث عن التعديل الحكومي المفترض لن ينطلي على أحد، فنحن اليوم لا نريد من أخنوش أن يجيب على انتظارات المواطنين المغاربة، بل نريد من عزيز أخنوش أن يجيب الملك محمد السادس عن سؤاله الشهير: “أين هي هذه الثروة”؟ ولماذا لم يستفد منها جميع المغاربة؟ وكيف همّت بعض الفئات فقط؟ أما الوعود الكاذبة، التي أطلقها عزيز أخنوش، فأول من يُكذبها هو الملك محمد السادس نفسه ومشروعه التنموي الجديد، أو بمعنى آخر “البرنامج التنموي الملكي”.

لقد سقطت كل أوراق التوت عن هذا الترويج الجديد لنبأ “تعديل حكومي مزعوم”، إذ ليس هو في الحقيقة إلاّ مناورة من عزيز أخنوش كي يوفي بوعده بـ”تعطيل المُعارضة”، مقابل الدخول إلى الحكومة، في نسخة ثانية، تضم حزبي “المهادنة”: الأول يترأسه فقط “جودار”، والثاني حزب عتيد بعث له الملك محمد السادس بإشارة تزيد من فهم قيمته لدى القصر، عبر حضور وازن يتقدّمهم ولي العهد مولاي الحسن “الثالث” لتشييع جثمان القيادي الاتحادي الراحل عبد الواحد الراضي، تمامًا كما فعل مع القيادي الاستقلالي الكبير الراحل امحمد بوستة.

رسالة قوية تفيد بأن هذا الحزب العتيد لا يلزمه الدخول في مناورات أخنوش الرخيصة، ويعطي بظهره للشعب الذي يئن اليوم ويستنكر ما فعله ويفعله به أخنوش وأغلبيته الحكومية، ويظل مع الشعب في صفوف المعارضة، ويفهم أنه لم يكن عبثًا أن يقول الملك للمغاربة، في خطاب مُباشر، إن هناك حفنة اغتنت غنًى فاحشًا فيما ازداد الباقي فقرأ مُذقعًا، مما يتطلّب، وبإلحاح، استرجاع أموال الشعب المنهوبة، التي يتنعّم بها اليوم “شفّارة” ليس لهم ماضٍ ثقافي، ولا دبلومات، وليست لهم ذمة مالية معروفة.

بل يُتوخى من حزب امحمد بوستة الاطاحة بهذه الحكومة ويدفع الجميع بأخنوش لتقديم استقالته، في “بلوكاج” أخلاقي هذه المرّة.إن للملك محمد السادس خارطة طريق، رسمها عبر العديد من الخُطب، دستر من خلالها رئيس الدولة كل ما قاله المحتجون في الشارع من شعارات، خصوصًا مقته للطبقة السياسية السائدة اليوم، والتي تجثم على رقاب المغاربة، وعلى رأسها بارون المحروقات عزيز أخنوش، وهم الذين تفننوا في “نهب” جيوب المغاربة بشهادة الملك محمد السادس نفسه، حين قال، في احدى خُطبه الأخيرة، إن كل ما يهمّ هؤلاء هو قضاء مصالحهم الخاصة بشتى الأساليب…ويظل تقاعس أخنوش على استرداد 17 مليار درهم التي وصلت اليوم ل45 مليار أكبر أكبر دليل على ما قاله الملك.

ليعلم هؤلاء أن كل شيءٍ مُدوّن في وثائق وسجلاّت تسعى “الدولة العميقة”، وحتى “الدولة، التي تطفو على السطح”، إلى رقمنتها كي يسهُل الوصول لناهبي المال العام، للإجابة على سؤال الملك محمد السادس، الذي طرحه حول “الثروة” لهذه الغاية، وبصيغة تفرض على المغاربة، كلٌّ من الزاوية التي يشغلها أو كان يشغلها، التبليغ عن الكيفية التي نهب بها هؤلاء ثروات المغرب باستغلال الحاجة والهشاشة، والاتجار بالموظفين، والمنتخبين، بما أن الملك محمد السادس، قبل أن يطرح سؤال الثروة، أشرك كُلَّ المغاربة في سُؤاله، وحمّلهم المسؤولية أمام الله والتاريخ، حينما قال بالحرف، في سؤال مباشر وجهه إلى الشعب، في خطاب اختار له عيد العرش ليظل مسجلًا في الرقاب: “أتساءل باستغراب مع المغاربة: أين هي هذه الثروة؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همّت بعض الفئات فقط؟”.

كل هذا الانتظار سببه “الرقمنة”، التي أخذت وقتا طويلا لوضع كل ما يلزم من معلومات عن أشخاص بعينهم استفادوا من كل شيءٍ، أمام أنظار المسؤولين، وعلى مرأى ومسمع من كل الحكومات، وهكذا كان مهمًّا أن تُسير الحكومةَ “الفئةُ الإسلاميةُ”، التي اطلعت على كل شيءٍ، وخلال عشر سنوات كاملة، وهي مُطالبة اليوم بفضح المستور، كي نعلم من هو الشيطان الأخرس بيننا!!!.

الآتي من الأيام لن يستطيع أحدٌ التنبؤ به من اليوم، ولن يُخطط لمستقبل المغرب والمغاربة شخصٌ عمِل على تغيير نفسه للأحسن، بدل تغيير الوضع المُزري للشعب، فيما هو عبَر على جُثت أفراد هذا الشعب المسكين، بعد أن أمعن في قهره، ليمُر هو وزبانيته ومُقربوه إلى برِّ الأمان، ضامنًا له ولزوجه وأولاده وأزلامه النعيم، داخل وخارج المغرب، فيما لم يترك لمن وضعوه في ذلك المنصب سوى “الفقر المذقع”، كما قال الملك محمد السادس نفسه.