مكامن قوة خطاب العرش وميلاد مغرب جديد ، بخارطة طريق جديدة

ذ بكار السباعي محامي بهيئة أكادير ومحلل سياسي

يأتي الخطاب الملكي السامي، الذي ألقاه صاحب الجلالة، الملك محمد السادس، من تطوان، بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لتربعه على عرش أسلافه الميامين، ليرسم خارطة طريق مغرب جديد. وهو ما صرح به جلالة الملك بشكل مباشر حين قال: واليوم، وقد وصل مسارنا التنموي إلى درجة من التقدم والنضج، فإننا في حاجة إلى هذه الجدية، للارتقاء به إلى مرحلة جديدة، وفتح آفاق أوسع من الإصلاحات والمشاريع الكبرى، التي يستحقها المغاربة”. فما هي أهم ملامح هذا المغرب الجديد؟

1- دولة القيم الإنسانية :
استهل جلالة الملك خطابه السامي بالإشارة إلى أن المغاربة معروفون “بخصال الصدق والتفاؤل، وبالتسامح والانفتاح، والاعتزاز بتقاليدهم العريقة، وبالهوية الوطنية الموحدة”. قد يتساءل البعض عن مغزى هذه الإشارة، وفي هذه الظرفية بالذات. الواضح أن هذا الاستهلال لم يأت عرضًا، أو على سبيل إطلاق الكلام على عواهنه. بل كان ذا قصدية مبطنة. ذلك لأنه يأتي محملا برسائل واضحو لبعض الأطراف في الداخل والخارج. والمقصود بالداخل: تلك الأطراف التي ما تزال تشاكس القرارات السيادية للدولة، وعلى رأسها استئناف العلاقات مع إسرائيل، عن طريق استغلال العاطفة الشعبية لأغراض تتعلق بالتموقع السياسي. أما الخارج فالمقصود به تلك الأطراف الأجنبية التي ما فتئت تروج لخطابات التخوين في حق المملكة. وهنا يأتي الخطاب الملكي ليذكر الجميع بما سبق وأن قاله جده المغفور له محمد الخامس لحكومة “فيشي”، حين قال: في المغرب لا يوجد مسلمون أو يهود. يوجد فقط المواطنون”. هكذا إذن يربط الخطاب الملكي بين قرارات الدولة وبين القيم التاريخية التي تشربها المغاربة.

2- دولة كفاءة الشباب :
بعد تشديده على دولة القيم، انتقل الخطاب الملكي إلى ثاني الدعامات التي يجب أن تقوم عليها خارطة طريق المغرب الجديد. ألا وهي دعامة الشباب. وفي هذا السياق، ذكر جلالته بالملحمة الوطنية التي أبهر بها شباب المنتخب المغربي العالم خلال كأس العالم الأخيرة. رابطا إياها بموضوع القيم التي استهل بها خطابه. على اعتبار أن ذلك الإنجاز الشبابي التاريخي، لم يكن له أن يتحقق لولا التمسك بقيم المغاربة: حب الوطن، والوحدة والتلاحم العائلي والشعبي.
لقد كان ذلك الإنجاز الشبابي التاريخي دعامة قوية للسياسة الرياضية للمملكة، حين تقدمت بيقين وعزيمة ثابتين بملف ترشيح المغرب لاحتضان كأس العالم 2030، رفقة إسبانيا والبرتغال. كما نوه الخطاب أيضا بالطفرة الكبيرة للشباب المغربي على مستوى الابتكار العلمي والصناعي أيضا (إنتاج أول سيارة مغربية محلية الصنع – تطوير أول نموذج لسيارة تعمل بالهيدروجين).وفي هذا الأمر إشارة إلى ما يجب أن يكون عليه المغرب مستقبلا… مغرب الكفاءات الشابة.

3- دولة العدالة الاجتماعية :
أقر الخطاب الملكي بمرور الاقتصاد الوطني بمرحلة صعبة، جراء تداعيات وباء كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وتوالي سنوات الجفاف. وهو ما أشار إليه بالتحديد حين تحدث عن التضخم وارتغاع تكاليف المعيشة. منوها إلى أنه قد أعطى توجيهاته للحكومة للعمل على التخفيف من هذه الآثار السلبية، خصوصا على الفئات الهشة، مع التشديد على ضرورة استثمار الزخم الذي تحقق للمغرب على أكثر من مستوى، في تعزيز مناخ الثقة في المملكة، بغرض تشجيع الاستثمارات الأجنبية وتوطينها في المغرب. وتزمنا مع هذه الجهود الاجتماعية، أشار الخطاب الملكي إلى الشروع، نهاية هذا العام، في منح التعويضات الاجتماعية، لفائدة الأسر المستهدفة. مما يعني أننا أمام ملامح واضحة لمغرب العدالة الاجتماعية.

4- دولة الإقتصاد الأخضر :
إن تطوير الاقتصاديات العالمية يخلف عادة آثارا سلبية على المستوى البيئي. لكن ألا يمكن تحقيق الإقلاع الاقتصادي المنشود دون الوقوع في مستنقع الآثار السلبية الوخيمة؟ يجيب الخطاب الملكي بأن الأمر ممكن إلى حد كبير. حيث رسم خارطة طريق لاقتصاد مغربي إيكولوجي ما فتئ ينمو. وفي هذا الصدد يشير جلالته إلى إطلاق المغرب لمشروع الاستثمار الأخضر للمكتب الشريف للفوسفاط، مع تسريع مسار قطاع الطاقات المتجددة. هذا فضلا عن إعداد مشروع في مجال الهيدروجين الأخضر.

5 – دولة العقلانية السياسية :
لأول مرة يجمع خطاب ملكي واحد بين دولتي إسرائيل والجزائر في نفس الوقت. فعلى غرار كل خطبه السامية، أعاد التأكيد على سياسة اليد الممدودة إلى الجزائر، مع إعادة التأكيد على رغبة المغرب في “تطبيع” علاقاتها مع الجزائر، بعد “تطبيع” العلاقات مع إسرائيل.
ولنفهم أبعاد هذا القران بين التطبيعين، لابد أن نعود إلى نص الخطاب ونتمعن جيدا في قول جلالته (في معرض حديثه عن ترشيح المغرب للمونديال): “إنه ترشيح غير مسبوق، يجمع بين قارتين وحضارتين: إفريقيا وأوروبا. ويوحد ضفتي البحر الأبيض المتوسط، ويحمل طموحات وتطلعات شعوب المنطقة، للمزيد من التعاون والتواصل والتفاهم”.
فالحديث عن شعوب المنطقة المتوسطية، يحمل إشارة واضحة إلى الشعب الإسرائيلي أيضا، بوصفه أحد شعوب هذه المنطقة، كما أن الشعب الجزائري أيضا شعب من شعوب المنطقة المتوسطية. مع التسطير على رغبة المغرب في تحقيق “التعاون، والتواصل، والتفاهم” بين هذه الشعوب. وهو أمر يستفاد منه أن المغرب عازم على المضي قدما في نهج العقلانية السياسية في رسم سياساته الخارجية، على أساس مبدأ “تصفير المنطقة من النزاعات”. وهو ما يستفاد منه ضمنيا أن المغرب سيكون هو الوجهة المقبلة للمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بعد أن لعب دورا هاما في المفاوضات بين أطراف الصراع الليبي – الليبي.

ذ/ الحسين بكار السباعي
محام وباحث في الهجرة وحقوق الإنسان.