رسالة اعتراف إسرائيل بمغربية الصحراء..نتنياهو يرد على بلاغ الملك ضد بنكيران

مراد بورجى

لم ينتظر كثيرا رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، للرد على الرسالة المشفّرة التي بعث له بها الملك محمد السادس من خلال بلاغ الديوان الملكي، الصادر صباح الاثنين 13 مارس 2023، يرد فيه الملك على بلاغ الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي أعلن فيه أمينه العام الجديد عبد الإله بنكيران عن “الانقلاب” على تطبيع المغرب مع إسرائيل، الذي وقّع عليه أمينه العام السابق، سعد الدين العثماني، بصفته رئيسًا للحكومة المغربية آنذاك.

قلتُ، وقتها، في مقالة كتبتها حول الموضوع، أن بلاغ الأمانة للبيجيدي كان مناسبة لم يُفوّتها القصر ليوجّه رسالة واضحة للداخل، قبل أن يوجّه رسالة مشفّرة إلى إسرائيل، وأساسًا إلى رئيسها الجديد، القديم، بنيامين نتانياهو، الذي كان قد غادر مقر رئاسة الوزراء في 11 يوليوز 2021 بسبب اتهامات بالفساد، ليحل محلّه اليميني نفتالي بينيت، قبل أن يعود نتنياهو بقوة في نونبر 2022، لشغل ولاية سادسة، بعد أن عمّر رُبع قرن في الحكم، حتى أصبح يُلقبه البعض بـ”ملك إسرائيل”.

وقلت، أيضا، إن “تقريع” الملك وقتها للحزب “الإسلامي” لم يكن يخرج عن وضع النقط على الحروف، وإعادة الأمور إلى نصابها، وتذكير الناسين أو المتناسين أن السياسة الخارجية للبلاد هي من اختصاص الجالس على العرش “بحكم الدستور”، وهو الذي يدبرها “بناء على الثوابت الوطنية والمصالح العليا للبلاد، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية”، كما ورد في ذلك البلاغ.

لقد جاء هذا التقريع كنوع من “قرص الأذن”، للبيجيدي ولكل حزب يسعى إلى “المزايدة” بالقضية الفلسطينية… وفي نفس الوقت ليقول الملك لنتانياهو وكذا للرئيس الجديد جو بايدن، إن المملكة المغربية مستمرة في وفائها بالتزاماتها، لكن ليس على “ورقة بيضاء”، وليُشهد العالم، وفي صدارته أمريكا، على التقاعس الإسرائيلي في فترة رئيس الوزراء السابق بينيت…

ولهذا “أقحم” الملك محمد السادس إسرائيل، في بلاغه الذي رد فيه على بلاغ الأمانة العامة لحزب “الدولة” الإسلامي وقتها. وخصّص فقرة كاملة يذكّر فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأن المغرب تحمّل كامل التزاماته، وفق مخرجات الاتفاق الثلاثي بين الرباط وتل أبيب وواشنطن، وقال الملك في هذه الفقرة: “إن استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل تم في ظروف معروفة، وفي سياق يعلمه الجميع، ويؤطره البلاغ الصادر عن الديوان الملكي بتاريخ 10 دجنبر 2020، والبلاغ الذي نشر في نفس اليوم عقب الاتصال الهاتفي بين جلالة الملك نصره الله، والرئيس الفلسطيني، وكذلك الإعلان الثلاثي المؤرخ في 22 ديسمبر 2020، والذي تم توقيعه أمام جلالة الملك”…

رسالة الرئيس الإسرائيلي، التي بعث بها، أمس الاثنين 17 يوليوز 2023، للملك محمد السادس، والتي أصدر القصر بشأنها بلاغا رسميًا يريد به الملك أن يُطلع الشعب المغربي على أن نتنياهو فهم الرسالة، فبعث بـ”رد مضمون” أخرج إسرائيل من “المنطقة الرمادية”، بإعلانها قرار “الاعتراف بسيادة المغرب على أراضي الصحراء الغربية”، وتجسيد هذا القرار في “كافة أعمال ووثائق الحكومة الإسرائيلية ذات الصلة”، بما في ذلك “إخبار الأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية والدولية، التي تعتبر إسرائيل عضوا فيها، وكذا جميع البلدان التي تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية”، فضلا عن التخطيط لـ”فتح قنصلية لها بمدينة الداخلة”، كما جاء في بلاغ الديوان الملكي..

الثابت في كل ما جرى أن الملك محمد السادس لم يكن يترك فرصة تمر دون أن يبعث رسائل لمن يهمهم الأمر في الدولة العبرية، وكانت أكبر “قرصة” لها هي التأجيل المغربي المتواتر، لخمس مرات متعاقبة، في استضافة “قمة النقب 2″، فيما “القرصة” الأقوى هي تلك التي قال فيها الملك، في أحد خطاباته، لحلفائه من الدول التي تنعم بخيرات المغرب بأبخس الأثمان عبر ابتزاز المغرب من خلال ملف صحرائه باستناد إلى تلك الأسطوانة المشروخة “أراضي متنازع عليها”، إنه لم يعد يقبل اللعب على الحبلين، ولا المواقف الرمادية… ولذلك، فإن المغرب، اليوم، لم يعد يحتاج إلى تأييدات للمقترح المغربي، ولا حتى لاعترافات بمغربية الصحراء، بقدر ما يحتاج إلى الفصل في ملف الصحراء عبر طرح المبادرة المغربية للحكم الذاتي للتصويت عليها، والحسم فيها نهائيا.

ونختم بسؤال قد حان الوقت لطرحه: لماذا يُصرُّ القصر على إبعاد الأحزاب ومعهم الحكومات من السياسات الخارجية للمغرب؟

الإجابة على هذا السؤال تكمن في كون القصر يعرف أن التمثيليات الديبلوماسية بالمغرب تكتب تقارير على فساد السواد الأعظم من الطبقة السياسية المغربية بمختلف تشكيلاتها، وعلى رأسها تلك الطبقة المتعاقبة على الحكومات، المتشبّثة بالكراسي التي تسللت إليها بـ”طرق وأساليب” تحوم حولها شبُهات معروفة، كما أنها لا ترقى، في معظمها، إلى مستوى العمل الديبلوماسي الرسمي، ولا الموازي، بسبب المستوى الهزيل للعلم بالشيء، لا ثقافيًا، ولا تاريخيًا، من جهة، ومن جهة أخرى، تعلم هذه الدبلوماسيات أن تلك الطبقة “فاسدة مفسدة”، لم يعد يثق فيها الملك، فما بالك الشعب…