عبد الرحيم العلام : الدولة لا تريد إخراج قانون الإثراء غير المشروع إلى الوجود ولو أرادت لفعلت في ساعات معدودات

مغرب تايمز - عبد الرحيم العلام : الدولة لا تريد إخراج قانون الإثراء غير المشروع إلى الوجود ولو أرادت لفعلت في ساعات معدودات

بقلم : عبد الرحيم العلام , أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاضي عياض

من حيث المبدأ، يحق لحكومة جديدة من المفروض أن لديها تصورا مغايرا للسياسة الجنائية، أن تسحب مشروع القانون الجنائي الذي وضعته حكومة سابقة ولم تستطع تمريره لأسباب متعددة. ومن ثم لا يمكن محاسبة الحكومة بناء على توجسات قد تصح وقد لا تصح، كأن يقال مثلا بأن سحب المشروع يهدف إلى إلغاء المقضى الذي يجرّم الإثراء من دون سبب.

لكن إذا تبين في ما بعد أن الحكومة لم تسحب المشروع مؤقتا وإنما سحبته بشكل دائم، أو أنها حذفت منه فصل الإثراء من دون سبب، أو أضافت إليه ما يشكل تهديدا للحريات والحقوق، آنذاك يمكن أن يتحول سحب المشروع إلى ما يرقى إلى “فضيحة سياسية”، التي ستجلب الكثير من النقد للحكومة وقد تتشكل جبهة معارضة قوية من داخل البرلمان والشعب من أجل إسقاط مشروعها أو إسقاطها هي بنفسها.

وبما أن سيرة السحب مطروحة هذه الأيام، فإن هناك بعض المقترحات ربما يستصحبها وزير العدل خلال هذه الاستفاقة التشريعية (إذا كانت استفاقة حقا):
ـ حبذا لو يتحدث السيد الوزير مع زميله في الحكومة وأمينها العام، من أجل الإفراج عن “مشروع القانون التنظيمي لقانون الدفع بعدم الدستورية” الذي نص عليه دستور 2011، وقدمته الحكومة السابقة للبرلمان، ووافق عليه، وأرسله للمحكمة الدستورية التي رفضت بعض مقتضياته، وطالبت بتغييرها، لكن الأمانة العامة للحكومة جمّدت المشروع ولم تحوله للبرلمان رغم مررو سنوات على قرار المحكمة الدستورية

سيكون مفيدا أكثر لو أن السيد الوزير رفع سماعة الهاتف وسأل رئيس مجلس المستشارين الذي ينتمي لأغلبيته الحكومية، لكي يسأله عن مشاريع ومقترحات القوانين التي يحتجزها مجلس المستشارين منذ أكثر من 5 سنوات، ومنها مشاريع حرية للمواطنين، وتتوقف عليها أوضاعهم المادية، وظروف آبائهم الصحية، وهذه بعض الأمثلة: مشروع قانون بمثابة مدونة التعاضد؛ مشروع قانون بمثابة التغطية الصحية الأساسية الذي ينتظره مئات الآلاف من المواطنين من أجل استفادة آبائهم من التغطية الصحية؛ مشروع قانون بتنظيم عمليات جمع التبرعات من العموم وتوزيع المساعدات لأغراض خيرية، الذي يعول عليه المجتمع المدني لكي يتجنب المشاكل المرتبطة بالتبرع الخيري، بل إن هذا المجلس ما زال يحتجز حتى مشروع القناة البرلمانية الذي من شأن تنفيذه أن يسهم في التعريف بعمل البرلمان نفسه، ويساعد على التعريف بما يقوم به البرلمان.

ولئن لم يعد في مقدور مجلس اللوردات، وهو الأقدم والأضخم، في بريطانيا، إلا تأخير صدور قانون المالية لمدة سنة واحدة، فإن مجلس المستشارين، الذي هو الغرفة الثانية، والأصغر حجما، والأقل تأثيرا في الحياة السياسية، يستغل غياب التنصيص على آجال البث في المشاريع المحالة عليه من قِبل مجلس النواب، لكي يؤدي دور المُعرقل للعملية التشريعية بطريقة مفرطة في تجيير الفراغ القانوني من أجل التأثير سلبا على العملية التشريعية، وحرمان المواطنين من تشريعات تيسر حياتهم.

نصيحة للسيد الوزير: لا تسأل ما أسميتها مؤخرا “الدولة” (لا أدري حقيقة ماذا يقصد بالدولة) بخصوص المقترحات أعلاه، لأنها بالتأكيد لا تريد لتلك المشاريع أن تخرج إلى حيز الوجود، لأنها عندما تريد أن تُفعّل شيئا ما، فهي لا تحتاج إلا لساعات معدودة، وقد تُفعّله حتى عبر قصاصة إخبارية مثلما حدث مع “جواز التلقيح”، لكنها عندما يتعلق الأمر بحقوق الناس ومصالحهم الحيوية، فإن المشاريع يتم تجميدها في ثلاجة الأمانة العامة للحكومة، أو ترسل إلى “محجز مجلس المستشارين”.

ملحوظة: بما أن عبد اللطيف وهبي المحامي، الذي كان أكثر شخصا يكتب مقالات تنتقد أحكام المحكمة الدستورية، وأكثر نائب برلماني تقدم بمذكرات أمام نفس المحكمة، فإن أسئلة كثيرة، كان من الأفضل أن يجيب عنها وهبي “رجل الدولة كما يصف نفسه”، قبل أن يّقْدم على قرار تفويض صلاحيته إلى شوقي بنيوب مندوب حقوق الانسان: هل من حق وزير فوض له رئيس الحكومة صلاحيات أن يفوضها بدوره إلى شخص آخر؟ هل يوجد في القانون التنظيمي لسير عمل الحكومة ما يسمح له بهذا التفويض؟ وهل يجوز تفويض التفويض؟