محمد الشرقاوي يكتب : محاكمة كافكاوية في الدار البيضاء

بدأتُ في كتابة هذه المقالة قبل يومين بعنوان مغاير ينمّ عن تفاؤلي بأن يستعيد العهد الجديد حصافة القرار بإنهاء حقبة مكفهرة قاتمة في تطور حرية الصحافة وبقية حقوق الإنسان في المغرب. كان العنوان الأصلي “إنّ الله والوطنية والإنسانية يحبّون المواطن الملحاح!” يختزل الأمل المتبقي لديّ في أن يكون شهر العيدين: عيد الأضحى وعيد العرش سخيا ببهجة عيد ثالث: قرار مصالحة وطنية بمقومات عضوية بأريحية ملكية، أو لنقل مصالحة ذاتية الدفع، بالإفراج عن كافة نشطاء الرّيف وصحفيي الرأي.

وكما كتبتُ في مقالة سابقة، شهامة الملك أفضل من تعاطف أمريكا أو تلقي رسائل دبلوماسية قادمة من عواصم بعيدة.

ليست فكرةُ الإلحاح هنا من فحوى الدين في التذكير بالعمل المبني على الخير والفضيلة أو “إنّ الله يحبّ العبد الملحاح” فحسب، بل وأيضا من صميم القيم الناشئة من الروح الوطنية وأخلاقيات الحكم وتلاقيهما مع القيم الإنسانية عندما يزيح القضاء عن مجرى العدالة، وتنحرف بعض الأحكام، بسبب عناد شخصي أو مواقف مزاجية أكثر من الروّية والتحقق من ثبوت التّهمة وتناسب العقوبة مع التهمة، ناهيك إذا لم تستند إلى وقائع وقرائن قانونية دامغة.

هو قولٌ يرتكز على حرية الفرد التي تتأتى منها قيمة الحكامة والديمقراطية، وتتّفق عليها فلسفة القانون الطبيعي والقوانين الوضعية والتشريعات السماوية.

ويستمد الإلحاح حماسته في هذا السياق أيضا من عقيدة العدالة التي تمثل صمّام الأمان لكافة أنظمة الحكم وفحوى الفلسفة السياسية المعاصرة. وكما قال الفيلسوف البريطاني جون لوك “هدف القانون ليس إلغاء أو تقييد الحرية، بل الحفاظ عليها وتوسيع مجالها.” وفي تراثنا العربي الإسلامي، يسافر عبد الرحمن ابن خلدون عبر القرون بمقولته الشهيرة” الظلم مؤذن بخراب العمران.”

ينطوي الحكم على الصحفي سليمان الريسوني بخمس سنوات سجنا نافدا وغرامة 100000 درهم على أكثر من معضلة قانونية وسياسية، وعلى رأسها مدى قانونية جلسة المحكمة وإصدار الحكم دون حضور المتهم وفريق الدفاع، وعدم تقديم أدلة ملموسة أو استحضار شهود موثوقي الشهادة على تورط المتهم في اتهام شارد عبر الفيسبوك ب”الاغتصاب بالعنف”.

هو مشهدٌ يثير عدة كوابيس مزعجة بحبكة الروائي فرانز_كافكا.

وما وصفها أحد المحامين بأنها “ مجزرة قضائية” تجعل سريالية اللاعدالة تتمدد بالطول والعرض و”على عينيك يابن عدي”. ولا يتوقف الغثيان أو الدّوار الذي أصيب به كافة الحالمين بصحوة حقوقية في زمن الردّة.

ولكن، لن يمكن التسليم بضياع البوصلة أو احتراق كافة ألوان قزح في مغرب “العهد الجديد” عندما يطالع الأمريكيون وبقية الحكومات والشعوب ما وصلت إليه الأمور بين دولة وصحفيين “مزعجين”.

فقد كتبت صحيفة نيويورك تايمز الشهر الماضي تقول إن “الريسوني واحد من عشرة صحفيين مغاربة على الأقل سجنوا في السنوات الأخيرة، واتهم معظمهم بارتكاب جرائم جنسية وغيرها من الأعمال التي تعتبر غير قانونية في المغرب.”

سرياليةُ ما جرى في محكمة الدار البيضاء تضع سليمان مجددا على مسرح اللامعقول بإخراج فجّ. فيقول كافكا على لسانه “إنها لحياة مزدوجة رهيبة حقًّا لا أظن أن هناك مخرجًا آخر منها سوى الجنون، ينبغي عدم السخرية من البطل وهو يترنح على خشبة المسرح بعد أن أصيب بجرح قاتل، إننا نمضي سنوات من حياتنا ونحن نرقص من الألم.”

في لحظة اقتراب ذهني من هذا الصحفي المعتقل وهو يعايش التيه بين الحياة والموت، كتبتُ أقول: “أن يتخيل سليمان موعده مع “الراحة الأبدية”، ويحتفظ بكفنه بجواره، ولا يستطيع عناق شريكة عمره خلود، ولا تقبيل صغيره هاشم هو اختزالٌ لتراجيدية ما فوق شكسبيرية بشدة مأساتها عندما يفكر هو، ويعيد التفكير، ويتعب من التفكير وحيدا: كم من مسيحٍ صلبت، وكم من أعناقٍ ضربت، وكم من محرقةٍ نازيةٍ نصبت، وكم من ملياراتٍ سرقت، أو من خياناتٍ عظمى ارتكبت؟!”

فوق كل التفاصيل والحيثيات والتبريرات، ثمة سؤالٌ محوريٌ عالقٌ: هل تمثل إدانة سليمان بهذه العقوبة والغرامة المالية أفضل_المآلات في حقبة الاحتباس الحقوقي وحديث العواصم الكبرى عن تقهقر المغرب نحو ممارسات سلطوية تنال من سمعته وعلاقاته مع دول من حجم الولايات المتحدة؟.

لقد تخطّت قضية الريسوني والراضي وبوعشرين، وقبلهم نشطاء حراك الرّيف، عتبة المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، لتغدو مسألة سياسية ببعد دولي في ظل ما كتبه وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن عقب أول اجتماع مباشر له مع نظيره المغربي ناصر بوريطة في روما. فبادر بالتذكير بأهمية “مصلحتنا المشتركة في السلام والاستقرار الإقليمي وحقوق الإنسان، بما فيها حرية الصحافة.”

وخلف خطاب كبير الدبلوماسيين الأمريكيين، تتبدل أولويات العلاقات المغربية الأمريكية في هذه المرحلة من “الحوار الاستراتيجي” إلى دعوة دبلوماسية مباشرة لتحسين “حقوق الإنسان” في المغرب.

وستزيد محاكمة الريسوني في موجة الانتقادات في هذه الضفة للمحيط الأطلسي، وفي نبرة الديمقراطيين في الكونغرس خاصة ممثلي الجناح التقدمي ومنظمات شباب الحزب الذي يقوده الرئيس بايدن في البيت الأبيض، ونانسي بيلوسي في مجلس النواب، والسناتور تشاك شومر في مجلس الشيوخ.

لا غرابة أن تتحوّل محاكمة الريسوني وقبله بوعشرين واعتقال الراضي، فضلا عن محاكمات نشطاء الرّيف في هذه السنوات الخمس العجاف إلى كرة ثلج تكبر وتغدو قضية متنامية الأهمية في أعين واشنطن. ولا يستطيع أي من دعاة التبرير التقليل من أهمية فحوى التغريدة التي حررها بلينكن نفسه عقب اجتماع روما.

هي مقياس معياري جديد لإدارة العلاقات الأمريكية المغربية في هذه السنوات حتى 20 يناير 2025 على أقل تقدير، و20 يناير 2029 إذا كانت نائبة الرئيس كامالا هاريس سترشح نفسها وتنجح في انتخابات الرئاسة المقبلة.

في المقابل، يجد المغرب نفسه عند قارعة الطريق بين برغماتية المصلحة في نسق الواقعية السياسية ومبدئية الحكم العادل في نسق سياسة القيم والإصلاح الديمقراطي. وهي بالتالي مقايضة لا بد منها بين صنع الفعل في الرباط بالإفراج عن المعتقلين وطيّ صفحة قاتمة إلى الأبد ومجرد الانجرار إلى ردّ الفعل على مطالبات خارجية والإشارات المتكررة للأوساط السياسية في واشنطن إلى تدهور سجل المغرب في مجال حقوق الإنسان.

وتدرك حكومة بايدن كيف تعمل مفاتيح القضاء المغربي ومدى تجرّده أو مجاراته لإيماءات سياسية أو حزازات شخصية ومواقف مزاجية إزاء بعض المعتقلين، ناهيك عن الاستفهام الآخر: هل تتناسب الأحكامُ الصّادرة مع طبيعة التهم التي أدين بها المعتقلون؟

تتشبع حكومة الرئيس بايدن ومن خلفها الفلسفة السياسية الأمريكية بنسق الليبرالية سياسيا واقتصاديا وفلسفيا. وتنهل من أفكار الفيلسوف جون رولز John Rawls خاصة  مفهوم_العدالة لديه كتركيبة مزدوجة من الحرية والمساواة. ويرتب في مؤلفه الشهير “العدالة كإنصاف: السياسي وليس الميتافيزيقي Justice as Fairness: Political not Metaphysical” أهمية المبادئ في “الأولوية المعجمية”: أولا، مبدأ الحرية، ثانيا المساواة العادلة في الفرص، وثالثا مبدأ الاختلاف. ويحدد هذا الترتيب أولويات المبادئ وإن تعارضت في الممارسة في الواقع اليومي.

ومع ذلك، فإن المبادئ تهدف إلى أن تكون مفهومًا واحدًا وشاملاً للعدالة، “العدالة كإنصاف”، وليس للعمل بشكل فردي. ويتم تطبيق هذه المبادئ دائمًا لضمان استفادة “الأقل حظًا” وعدم إيذائهم أو نسيانهم.

يعتبر رولز الفلسفة السياسية ذات دور في تحديد الترتيبات السياسية العملية التي يمكن أن تكسب الدعم من أناس حقيقيين. ومع ذلك، ضمن هذه الحدود، يمكن أن تكون الفلسفة مثالية: ويمكنها أن تصور نظامًا اجتماعيًا هو أفضل ما يمكن أن نأمله، “وبالنظر إلى البشر كما هم، تتخيل الفلسفة القوانين كما قد تكون.”

ويتمسك أيضا بدور آخر للفلسفة السياسية هو المصالحة، إذ كتب يقول: “لتهدئة إحباطنا وغضبنا من مجتمعنا وتاريخه من خلال إظهار الطريقة التي تكون فيها مؤسساته عقلانية، وأنها تطورت بمرور الوقت للوصول إلى شكلها العقلاني الحالي”، (العدالة كإنصاف، ص. 3).

لا يحتاج المرء لاستحضار أمثلة نظرية غربية أخرى وكيف تحدد توجهات الممارسات السياسية في الدول الديمقراطية. وعند تأمل ثقافتنا المغربية الإسلامية، تكون العدالة من شقيقات العفو والصفح والشهامة وتجاوز التأنيب المبالغ ونزعة الانتقام. وثمة في القرآن الكريم عدة آيات تؤكد على العبر والغايات الإيجابية للصفح والحِلم والعفة.

ويقول تعالى في سورة آل عمران “وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.” ويحث الله عز وجل أيضا في سورة النور على تجاوز الجفاء والغلظة بقوله “وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.”

سواء ولّى المرء وجهه إلى الإسلام وبقية الديانات السماوية أو التشريعات الوضعية ونسق الحكامة في الشرق والغرب، أو جديد الاجتهادات في الفلسفة السياسية المعاصرة، فإنه يجد تأكيدًا وراء تأكيد على الجدوى من الصفح والمغفرة وتجاوز جموح الانتقام أكثر من بنيوية القانون أو صرامة الأحكام أو قساوة العزلة في غياهب الزنزانات.

لكن الأهم من كل سجال حول التهمة والإدانة والعقوبة هو أن العفة والمصالحة بين الحاكم والمحكوم قيمة معيارية وسياسية ودينية وإنسانية وحضارية في آن واحد. ومن هذه القناعة أستمد التفاؤل والرغبة في كتابة أكثر من رسالة إلى هاشم ابن سليمان، وعائلة سليمان، وعائلة الراضي، وعائلة بوعشرين، ووالدي الزفزافي وبقية نشطاء الرّيف وأقاربهم وأصدقائهم والمؤمنين بمغرب الحريات والمواطنة بأن الشهر الجاري لن يكون شهر العيدين فحسب، بل وأيضا شهر عيد ثالث.